السيد كمال الحيدري
35
الإنسان بين الجبر والتفويض
المناقشة 1 . تتعارض هذه النظرية مع ظواهر الآيات القرآنية ، فكما أنّ هناك طائفة من الآيات أثبتت تأثيراً للأسباب الطبيعيّة ، فإنّ هناك طائفة أخرى تنتهي إلى نسبة الخلق إلى الله سبحانه مطلقاً : ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ( المؤمن : 62 ) ، وهذا الأثر الذي يصدر من الأسباب الطبيعيّة شيء لا ينبغي رفع اليد عنه ومن ثمّ لا يجوز التخصيص دون مخصّص إلّا إذا قام الدليل العقلي أو الشرعي على استحالة الشمول فعندئذ يتمّ تقييد الإطلاق ، أمّا مع إمكان الجمع بين الإطلاق وبين الإيمان بتأثير الأسباب الطبيعيّة فلا مجال للمصير إلى هذا . 2 . يلزم من هذه النظرية عدد من الإشكالات العقلية ، منها انقلاب الفقير إلى غنيّ ، والممكن إلى واجب . فوفق منطقها أنّه لو جاز عدم الواجب لما ضرَّ عدمه وجود العالم ، لأنّه غنيّ عن العلّة في بقائه ، وإذا صار كذلك فهو غنيّ ، فيلزم انقلاب المحتاج إلى غنيّ ، والممكن إلى واجب . وهذا محال عقلًا . 3 . يمكن أن يُستَشفّ من ظواهر بعض الآيات دوام الفيض الإلهي في كلّ آنٍ آن ، وعدم انقطاعه عن الوجود ، أي حاجة الوجود إليه حدوثاً وبقاءً . من ذلك قول الله سبحانه : يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن ( الرحمن : 29 ) إذ ليس في الآية الكريمةما يدلّ على أنّ هذا السؤال حدوثيّ وحسب ، بل هو حدوثيّ وبقائيّ ، بمعنى أنّه يوجد سؤال في كلّ آنٍ آن ، ويوجد في مقابله جواب وعطاء وإفاضة في كلّ آنٍ آن أيضاً .